ابن المقفع
59
الآثار الكاملة ( الأدب الصغير / الأدب الكبير / رسالة الصحابة / الدرة اليتيمية في الأدب / كتاب اليتيمة في الرسائل / حكم ابن المقفع )
يغني النّاس كلّهم فاختصّ « 1 » به ذوي الحقوق . وأن كرامتك لا تطيق العامّة فتوخّ بها « 2 » أهل الفضائل . وأنّ ليلك ونهارك لا يستوعبان حاجاتك - وإن دأبت فيهما « 3 » - وأنّه ليس لك إلى أدائها سبيل مع حاجة جسدك إلى نصيبه من الدّعة « 4 » ، فأحسن قسمتها بين دعتك وعملك . واعلم أنّك ما شغلت من رأيك بغير المهمّ ازرى « 5 » بالمهم . وما صرفت من مالك بالباطل فقدته حين تريده للحقّ . وما عدلت به « 6 » من كرامتك إلى أهل النقص أضرّ بك في العجز عن أهل الفضل ، وما شغلت من ليلك ونهارك في غير الحاجة ، أزرى بك في الحاجة . * سوء عاقبة الغضب اعلم أنّ من النّاس ناسا كثيرا ، جعل من أحدهم الغضب إذا غضب أن يحمله ذلك على الكلوح « 7 » والتقطيب في وجه غير من أغضبه ، وسوء اللفظ لمن لا ذنب له والعقوبة لمن لم يكن يهمّ « 8 » بعقوبته وسوء المعاقبة باليد واللسان ، لمن لم يكن يريد به إلا دون ذلك . ثمّ يبلغ به الرّضى إذا رضي ، أن يتبرّع بالأمر ذي الخطر ، لمن ليس بمنزلة ذلك عنده . ويعطي من لم يكن أعطاه ويكرم من لا حقّ له ولا مودّة . فاحذر هذا الباب كلّه فإنه ليس أحد أسوأ حالا من أهل القدرة الذين
--> ( 1 ) اختصّ به ذوي الحقوق : جعله خاصّا به . ( 2 ) توخّى ( ه ) : تعمّده دون سواه . ( 3 ) دأب في العمل : جدّ وتعب . ( 4 ) الدّعة : السكون والطمأنينة ، من ودع يدع دعة أي سكن . ( 5 ) أزرى به : احتقره . ( 6 ) عدل من . . إلى : مال . ( 7 ) الكلوح : مصدر كلح كلوحا وكلاحا وجهه : أي عبس وتكشّر . ( 8 ) همّ بالأمر : عزم على القيام به .